مجمع البحوث الاسلامية

260

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

من رمضان إلى رمضان . قال الزّمخشريّ : ومن لا يجوّز تأخير البيان ، وهم أكثر الفقهاء والمتكلّمين ، وهو مذهب أبي عليّ وأبي هاشم ، فلم يصحّ عندهم هذا الحديث ، لمعنى حديث سهل بن سعد . وأمّا من يجوّزه فيقول : ليس بعبث ، لأنّ المخاطب يستفيد منه وجوب الخطاب ، ويعزم على فعله إذا استوضح المراد به ، انتهى كلامه . وليس هذا عندي من تأخير البيان إلى وقت الحاجة ، بل هو من باب النّسخ ، ألا ترى أنّ الصّحابة عملت به ، أعني بإجراء اللّفظ على ظاهره إلى أن نزلت : مِنَ الْفَجْرِ ، فنسخ حمل الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ و الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ على ظاهرهما ، وصارا ذلك مجازين ، شبّه بالخيط الأبيض : ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق ، وبالأسود : ما يمتدّ معه من غبش اللّيل ، شبّها بخيطين أبيض وأسود . وأخرجه من الاستعارة إلى التّشبيه قوله : ( من الفجر ) كقولك : رأيت أسدا من زيد ، فلو لم يذكر « من زيد » كان استعارة ، وكان التّشبيه هنا أبلغ من الاستعارة ، لأنّ الاستعارة لا تكون إلّا حيث يدلّ عليها الحال أو الكلام ، وهنا لو لم يأت ( من الفجر ) لم يعلم الاستعارة ، ولذلك فهم الصّحابة الحقيقة من الخيطين قبل نزول ( من الفجر ) . حتّى أنّ بعضهم ، وهو عديّ بن حاتم غفل عن هذا التّشبيه ، وعن بيان قوله : ( من الفجر ) فحمل الخيطين على الحقيقة ، وحكى ذلك لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فضحك ، وقال : « إن كان وسادك لعريضا » ، وروي : « إنّك لعريض القفا ، إنّما ذاك بياض النّهار وسواد اللّيل » . والقفا العريض يستدلّ به على قلّة فطنة الرّجل . [ ثمّ ذكر قول الزّجّاج بأنّهما فجران ، وأضاف : ] فعنده الخيطان : هما الفجران ، سمّيا بذلك لامتدادهما تشبيها بالخيطين ، وقوله : ( من الفجر ) يدلّ على أنّه أريد ب الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ : الصّبح الصّادق ؛ وهو البياض المستطير في الأفق ، لا الصّبح الكاذب ، وهو البياض المستطيل ، لأنّ الفجر هو انفجار النّور ، وهو بالثّاني لا بالأوّل . وشبّه ب ( الخيط ) وذلك بأوّل حاله ، لأنّه يبدو دقيقا ، ثمّ يرتفع مستطيرا . فبطلوع أوّله في الأفق يجب الإمساك . هذا مذهب الجمهور ، وبه أخذ النّاس ، ومضت عليه الأعصار والأمصار ، وهو مقتضى حديث ابن مسعود وسمرة بن جندب . وقيل : يجب الإمساك بتبيّن الفجر في الطّرق وعلى رؤوس الجبال ، وهذا مرويّ عن عثمان وحذيفة وابن عبّاس وطلق بن عليّ وعطاء والأعمش وغيرهم . وروي عن عليّ أنّه صلّى الصّبح بالنّاس ، ثمّ قال : « الآن تبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود » ، وممّا قادهم إلى هذا القول أنّهم يرون أنّ الصّوم إنّما هو في النّهار ، والنّهار عندهم من طلوع الشّمس إلى غروبها . [ إلى أن قال : ] و ( من ) الأولى هي لابتداء الغاية ، قيل : وهي مع ما بعدها في موضع نصب ، لأنّ المعنى حتّى يباين الخيط الأبيض الخيط الأسود ، كما يقال : بانت اليد من زندها ، أي فارقته .